الاثنين، 1 أكتوبر 2018

كهف الريح

كهف الريح

هاروكي موراكامي


عندما كنتُ في الخامسة عشرة ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك بغتةً. كانت في الثانية عشرة في سنتها الأولى في المدرسة الثانوية الدنيا. لقد وُلدت بمشكلة خِلقية في القلب، ولكنها منذ آخر عملية جراحية أُجريت لها عندما كانت في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية لم تبدُ عليها أيَّة أعراض أخرى، فاطمئنت عائلتي متشبِّثة بأمل واهن بأنَّ حياتها ستمضي من دون حوادث. ولكن، في مايو من ذلك العام، أصبح نبض قلبها غير منتظم على نحو أكبر. كان الأمر يسوء خصوصًا عندما تستلقي في الفراش، ولم يكن بوسعها النوم ليالي كثيرة. خضعت للفحص في مشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص دقيقة لم يستطع الأطباء تحديد التغيّر بدقة في حالتها. وقد كانت المشكلة الأساسية تُحلّ ظاهريًّا بالعمليات الجراحية، وكان الأطباء يحارون في أمرها.
"تجنّبي التمارين المجهدة واتبعي روتينًا منتظمًا وستستقر الأوضاع قريبًا." قال طبيبها. لعلَّ ذلك كان كلّ ما بوسعه قوله، وكتب لها عدة وصفات طبية.
بيْد أنَّ عدم انتظام نبض قلبها لم يستقر. عندما كنت أجلس إلى مائدة الطعام في الجهة المقابلة لها، كنت كثيرًا ما أنظر إلى صدرها وأتخيّل القلب داخله. كان نهداها قد بدآ بالنموِّ بدرجة ملحوظة. ومع ذلك، داخل ذلك الصدر كان قلب أختي مختلّا. وحتى الاختصاصي لم يتمكّن من تحديد الخلل. تلك الحقيقة وحدها كانت تسبب الاضطراب في عقلي. لقد عشتُ مراهقتي في حالة من القلق والخوف من أنني قد أفقد أختي الصغيرة في أيَّة لحظة.
أخبرني والداي أن أعتني بها لأنَّ جسدها كان ضعيفًا جدًّا. وعندما كنّا ندرس في المدرسة الابتدائية نفسها، كنت دائمًا ما أراقبها. وإن دعت الحاجة فقد كنت مستعدا للمخاطرة بحياتي لحمايتها وحماية قلبها الصغير. بيْد أنَّ الفرصة لم تكشف عن نفسها قطّ.
كانت في طريق العودة من المدرسة إلى البيت ذات يوم عندما سقطت. فقدت وعيها حين كانت تصعد السلالم إلى محطة سيبو شينجوكو، فسارعت بها سيارة الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. ولمَّا سمعت بالأمر هُرِعت إلى المشفى، ولكن في الوقت الذي وصلت فيه كان قلبها قد توقَّف. حدث كلُّ شيء في طرفة عين. كنَّا قد تناولنا الإفطار سويًّا ذلك الصباح وودَّعنا بعضنا بعضًا أمام الباب، أنا في طريقي إلى المدرسة الثانوية العليا وهي في طريقها إلى المدرسية الثانوية الدنيا. في المرة التالية التي رأيتها فيها كانت قد توقفت عن التنفُّس. أُغلِقت عيناها الكبيرتان إلى الأبد، وكان فمها مفتوحًا قليلا وكأنها على وشك قول شيء ما.
وفي المرة التالية التي رأيتها فيها كانت في تابوت. كانت ترتدي ثوبها المخملي الأسود المفضَّل وعلى وجهها لمسة من مساحيق التجميل وشعرها مُمشَّطٌ بعناية، وتنتعل حذاء جلديًّا صقيلا أسود، وترقد ووجهها للأعلى في التابوت المتواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء برباط، شديدة البياض إلى حدّ أنها بدت متكلّفة.
وهي ترقد هناك، بدت نائمة بسلام. بدت وكأنها ستستيقظ إذا ما هززتَها بلطف. بيْد أنَّ ذلك كان وهمًا. هُزَّها كما تشاء، ولن تستيقظ ثانيةً أبدًا.
لم أكن أودُّ أن يُحشَر جسد أختي الضئيل الرهيف في ذلك الصندوق المقيِّد الضيق. شعرتُ أنَّ جسدها ينبغي أن يُهجَع ليستريح في مكان فسيح. في وسط مرج مثلا. سنمضي بصمت إلى زيارتها ونشقّ طريقنا بين الأعشاب الخضراء الوارفة. ستُهفْهِف الريحُ العشبَ ببطء، وتتصايح الطيور والحشرات حولها. ستملأ رائحةُ الزهور البرية الرطبة الهواءَ، ويتطاير غبار اللقاح. وعندما يهبط الليل ستزدان السماء فوقها بنجوم فضية لا حصر لها. في الصباح، شمس جديدة ستجعل قطرات الندى تتلألأ فوق العشب كالجواهر. بيْد أنها في الواقع محشورة داخل تابوت تافه. كانت الزخارفُ الوحيدة المحيطة بتابوتها زهورًا بيضاء مشؤومة قُطفت ووُضعت في مزهريات. كانت إضاءة الغرفة الضيقة ساطعة وخالية من اللون. من مكبِّر صوت صغير في السقف انبعثت أنغام متكلفة لموسيقى الأرغن.
لم أحتمل رؤيتها تُحرَق. عندما سُدَّ غطاء التابوت وأُغلِق غادرتُ الغرفة. لم أقدِّم يد المساعدة حين وضعت عائلتي عظامها على نحو طقوسي في جرَّة. خرجت إلى فناء المحرقة وبكيت بصوت مكتوم. خلال حياتها القصيرة جدًّا، لم أساعد أختي الصغيرة قطّ، وقد آلمتني تلك الفكرة إيلامًا شديدًا.
بعد وفاة أختي تغيَّرت عائلتي. أصبح أبي أكثر صمتًا، وأمي أكثر عصبية وتوترًا. وفي الأساس واصلت الحياة نفسها كما فعلت دائمًا. انضممت إلى نادي تسلُّق الجبال في المدرسة مما جعلني أنشغل، وإن لم أكن أفعل ذلك كنت أمارس الرسم الزيتي. نصحني معلم الفنون أن أجد مدربًا جيدًا وأن أدرس الرسم حقًّا. وحين بدأت أخيرًا أحضر حصصًا في الفن أصبح اهتمامي جادًّا. أظن أنني كنت أحاول إشغال نفسي كي لا أفكِّر في أختي المتوفاة.
زمنًا طويلا – لست متيقنًا كم من الأعوام – ترك والداي غرفتها تمامًا كما هي. الكتب الدراسية والأدلة والأقلام والمماحي ومشابك الأوراق المكدّسة فوق منضدتها، الشراشف والبطانيات والوسائد فوق سريرها، مناماتها المكويَّة والمطويَّة وزيُّها المدرسي المعلَّق في الخزانة، كلُّها بقيت بلا مساس. الروزنامة على الحائط ما تزال تحمل جدولها مسجلا بخط يدها الصغير. تُركت في الشهر الذي ماتت فيه وكأنَّ الزمن تجمَّد في تلك اللحظة. بدا وكأنَّ الباب سيُفتح في أي لحظة وستدخل هي. حين لا يكون هناك أحد غيري في البيت، كنت أذهب أحيانًا إلى غرفتها، أجلس بهدوء على سريرها المرتّب وأنظر حولي. لكنني لا أملس شيئًا على الإطلاق. لم أرغب أن أزعج ولو قليلا أيًّا من الأشياء الصامتة التي تركتها وراءها، إشارات إلى أنَّ أختي كانت بين الأحياء يومًا ما.
طالما حاولت تخيَّل الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت في الثانية عشرة. مع أنه لم تكن ثمَّة من طريقة لمعرفة ذلك. لم أستطع تصوُّر حتى ما ستكون عليه حياتي، ولهذا لم أعرف أي شيء كان سيحمله مستقبلها. بيْد أنني أعرف أنها لو لم تكن تعاني مشكلة في أحد صمامات قلبها لكبرت وأصبحت فتاة بارعة وجذابة. إنني على يقين أنَّ رجالا عديدن سيحبونها وسيأخذونها بين أذرعهم. إلا أنني لا أستطيع تصوُّر ذلك بالتفصيل. إنها في عيني أختي الصغرى إلى الأبد، التي تصغرني سنينا ثلاثا وتحتاج حمايتي.
بعد وفاتها أخذت أرسمها بعض الوقت مرارًا وتكرارًا. رحت أنسخ في كراسة رسمي ما أتذكره من وجهها من زوايا مختلفة كي لا أنساه. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. سيبقى محفورًا في عقلي إلى يوم مماتي. ما كنت أسعى إليه هو ألا أنسى الوجه الذي أتذكره في ذلك الحين. ولكي أفعل ذلك كان عليَّ أن أمنحه شكلا بالرسم. كنت في الخامسة عشرة وحسب حينها، وهناك الكثير لم أكن أعرفه عن الذكرى والرسم ومرور الزمن. بيْد أنَّ شيئًا واحدًا عرفته وهو أنني بحاجة إلى فعل شيء للتشبُّث بتسجيل دقيق من ذاكرتي. اتركه وشأنه وسيختفي في مكان ما. مهما كانت الذاكرة حيَّة فإن سطوة الزمن أقوى. لقد عرفت ذلك غريزيًّا.
كنت أجلس وحدي في غرفتها أرسمها. حاولت أن أرسم على الورقة الخالية كيف بدت في عين عقلي. كنت أفتقر إلى التجربة حينها وإلى المهارة الفنية اللازمة، ولذا لم تكن العملية يسيرة. كنت أرسم وأمزق، وأرسم وأمزق بلا نهاية. ولكنني عندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ما زلت متعلِّقًا بكراسة رسمي منذ تلك الأيام)، أستطيع أن أرى أنها تفيض بإحساس صادق بالألم. قد تبدو غير ناضجة فنيًّا، ولكنها كانت نتيجة جهد خالص، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. عندما أنظر إلى هذه الرسوم، لا أستطيع منع نفسي من البكاء. لقد أنجزت رسومًا لا حصر لها منذ ذلك الحين، ولكن لا شيء آخر مما رسمت أسال دمعي هكذا أبدًا.
كان لموت أختي أثر آخر فيَّ: لقد أثار حالة عنيفة جدًّا من رهاب الاحتجاز. منذ أن رأيتها ممدَّدة في ذلك التابوت الصغير الضيق، وقد أُغلق عليها الباب وأوصد جيّدًا ثم أُخذت للحرق وأنا عاجز عن دخول الأماكن المغلقة الضيقة. مدةً طويلة لم أستطع استخدام المصعد الكهربائي. أقف أمام المصعد وكل ما أفكر فيه تلقائيًّا هو أنه سينغلق وثمَّة زلزال وأنا محاصر داخل ذلك المكان الضيق. مجرد التفكير كان كافيًا لإثارة شعور خانق بالهلع.
لم تظهر هذه الأعراض مباشرة بعد وفاة أختي. أخذت ثلاث سنوات تقريبًا حتى ظهرت إلى السطح. كانت أول مرة أصبت فيها بنوبة هلع بُعيْد بدء الدراسة في كلية الفنون عندما كنت أعمل بدوام جزئي في شركة نقل بضائع. كنت مساعد سائق شاحنة نحمل فيها الصناديق وننزلها، وذات يوم أُغلق عليَّ الباب خطأً داخل مقصورة الشحن الفارغة. كان عمل اليوم قد انتهى ونسي السائق أن يتيقَّن من عدم وجود شخص في الشاحنة. أَغلق الباب الخلفي من الخارج.
مضت ساعتان ونصف قبل أن يُفتح الباب وأستطيع الزحف خارجًا. طوال ذلك الوقت كنت محتجزًا داخل مكان مغلق ومظلم تمامًا. لم تكن شاحنة تبريد أو ما شابه، ولذا كان هناك فجوات يدخل منها الهواء. لو أنني فكَّرت في الأمر بهدوء لأدركت أنني لن أختنق.
ولكن رغم ذلك، تمكَّن مني ذعر شديد. كان هناك أكسجين كاف، ومع ذلك، مهما تنفست بعمق لم أكن لأستطيع امتصاصه. أصبح تنفسي مرهقًا وبدأ معدَّل تنفسي يزيد. شعرت بالدُّوار. "لا بأس، اهدأ." قلتُ لنفسي. "ستتمكن من الخروج قريبًا. مُحال أن تختنق هنا." لكن المنطق لم ينجح. كان الشيء الوحيد في عقلي هو أختي الصغيرة وهي محشورة في تابوت صغير وقد سُحب إلى المحرقة. مذعورًا أخذت أدقُّ جدران الشاحنة.
كانت الشاحنة في مواقف الشركة وجميع الموظفين عادوا إلى بيوتهم بعد انتهاء اليوم. لم يلاحظ أحد غيابي. رحت أدقُّ بجنون ولكن بدا أن لا أحد كان يسمعني. عرفت أنني إن لم يحالفني الحظ فسأبقى محتجزًا هناك حتى الصباح. عند هذه الفكرة شعرت وكأنَّ عضلاتي كلّها على وشك التمزُّق.
كان حارس الأمن الليلي الذي يقوم بجولاته في الموقف هو من سمع أخيرًا الضجة التي أحدثتها وفتح الباب. لمَّا رأى كم كنت هَلِعًا ومنهكًا جعلني أستلقي على السرير في غرفة استراحة الشركة وقدَّم لي كوبًا من الشاي الساخن. لا أعلم كم مضى من الوقت وأنا مستلق هناك. بيْد أنَّ تنفسي عاد منتظمًا أخيرًا. أقبل الفجر، شكرت الحارس واستقللت أول قطار في اليوم عائدًا إلى البيت. انزلقت إلى سريري واستلقيت هناك منتفضًا كمجنون وقتًا طويلا.
منذ ذلك الحين أصبح استخدامي المصعد الكهربائي يثير فيَّ الذعر نفسه. لا بدَّ أنَّ الموقف أيقظ خوفًا كان متواريًا بداخلي. يخامرني شكٌّ طفيف أن تكون ذكرى موت أختي قد حرَّضته. ولم يقتصر الأمر على المصاعد، بل وأي مكان مغلق. لم أستطع حتى رؤية الأفلام ذات مشاهد في غواصات أو صهاريج. مجرد تخيُّل نفسي محتجزًا داخل أماكن ضيقة كهذه – مجرد تخيُّلي ذلك – يجعلني غير قادر على التنفس. غالبًا كان عليّ أن أقف وأنصرف من القاعة. لذلك كان من النادر أن أذهب إلى السينما بصحبة شخص آخر.
عندما كنت في الثالثة عشرة وأختي في العاشرة، سافرنا وحدنا إلى ياماناشي برِفكتشر في أثناء العطلة الصيفية. كان خالُنا يعمل في مختبر أبحاث في إحدى الجامعات في ياماناشي وذهبنا لنقيم معه. كانت هذه رحلتنا الأولى كطفلين نقوم بها بأنفسنا. كانت أختي تشعر بتحسن نسبيًّا ذلك الحين، ولهذا سمح لنا أبوانا بالسفر وحدنا.
كان خالنا أعزبا (وما يزال حتى الآن) وقد بلغ الثلاثين توًّا كما أعتقد. كان يجري بحثًا في الجينات (وما يزال)، هادئ جدًّا وروحانيّ بعض الشيء، رغم أنه شخص منفتح وصريح. يحب القراءة ويعرف كل شيء عن الطبيعة. كان يجد متعة في التنزُّه في الجبال أكثر من أي شيء، ولهذا كما قال قد التحق بعمل جامعي في ياماناشي الجبلية الريفية. كنت وأختي نحب خالي كثيرًا.
حملنا حقائبنا على ظهورنا، ركبنا قطارًا سريعًا في محطة شينجوكو المتجه إلى ماتسوموتو، وترجَّلنا في كوفو. جاء خالنا لاستقبالنا في محطة كوفو. لقد كان طويل القامة بصورة مذهلة، وحتى في المحطة المزدحمة استطعنا تمييزه فورًا. استأجر منزلا صغيرًا في كوفو مع صديق له، لكنَّ صديقه كان مسافرًا ولذا أقمنا في غرفته. قضينا أسبوعًا في ذلك البيت. وكنَّا كل يوم تقريبًا نخرج في نزهات مع خالنا في الجبال القريبة. علَّمنا أسماء أنواع مختلفة من الزهور والحشرات. كنَّا نعتزّ كثيرًا بذكريات ذلك الصيف.
ذات يوم مشينا أبعد من المعتاد وزرنا كهف ريح قريبًا من جبل فوجي. كان هذا الكهف أكبر كهوف الريح الكثيرة المحيطة بجبل فوجي. أخبرنا خالنا كيف تشكَّلت هذه الكهوف. تكوَّنت من البازلت، ولذا فإنك لا تكاد تسمع أصداء داخلها، قال. وحتى في الصيف تبقى حرارتها منخفضة، وكان الناس في الماضي يحفظون الثلج الذي يحصلون عليه في الشتاء داخل الكهوف. شرح لنا الفرق بين نوعين من الكهوف: كهوف فوكِتسو الكبيرة التي التي تتسع بشكل كاف للأشخاص لدخولها، وكهوف كازا-آنا الصغيرة التي لا يستطيع الناس دخولها. كلا الاسمين قراءة بديلة للمفردتين الصينيتين نفسيهما التين تعنيان "ريح" و"ثقب." بدا خالي يعرف كل شيء.
في كهف الريح تدفع رسوم دخول وتمضي إلى الداخل. لم يذهب خالنا معنا. دخل إلى هناك مرات كثيرة، كما إنه طويل القامة وسقف الكهف منخفض جدًّا وقد ينتهي به الأمر إلى أن يعاني ألم الظهر. قال: "إنه ليس خطيرًا فاذهبا أنتما الاثنان. سأبقى عند المدخل وأقرأ كتابًا." عند المدخل أعطى الشخص المسؤول كلا منَّا مصباحًا يدويًّا ووضع خوذتين صفراوين من البلاستيك فوق رأسينا. كانت هناك أضواء في سقف الكهف، ولكنَّ الكهف بدا مظلمًا جدًّا من الداخل رغم ذلك. كلما مضينا بعيدًا في الكهف كان السقف أكثر انخفاضًا. لا عجب أنَّ خالنا الهزيل الطويل القامة تخلَّف عن المجيء.
أضأت وأختي المصباحين اليدويين ونحن نمشي. كان الوقت منتصف الصيف في الخارج – تسعون درجة فهرنهايت – ولكنَّ الجو كان باردًا داخل الكهف، أقل من الخمسين درجة. عملًا بنصيحة خالنا، ارتدى كلانا سترة واقية غليظة أحضرناهما معنا. أمسكت أختي بيدي بقوة، إمَّا رغبة منها في أن أحميها أو أملا في أن تحميني (أو لعلَّها لم تودّ أن ينفصل أحدنا عن الآخر). طوال الوقت الذي قضيناه داخل الكهف كانت تلك اليد الصغيرة الدافئة في يدي. كان الزائرون الآخرون فقط زوجين في منتصف العمر. بيْد أنهما سرعان ما غادرا وبقينا نحن الاثنين فقط.
كان اسم أختي الصغيرة كوميتشي، إلا أنَّ كل من في العائلة يدعوها كومي. وأصدقاؤها يدعونها ميتشي أو ميتشان. وبحسب علمي لم يدعها أحد باسمها الكامل، كوميتشي. كانت فتاة نحيفة صغيرة. كان لها شعر أسود ناعم، مقصوص بعناية أعلى كتفيها. كانت عيناها كبيرتين بالنسبة إلى حجم وجهها (بِبؤبؤين كبيرين)، مما جعلها تشبه جنيَّة. ارتدت في ذلك اليوم تِي شيرتا أبيض، وجينزًا باهتًا وحذاءً رياضيًّا ورديًّا.
بعد مضينا بعيدًا في الكهف اكتشفت أختي كهفًا صغير الحجم يبعد قليلا عن الطريق المحدَّد. كان فمه مختفيا في ظلال الصخور. كانت مهتمة جدًّا بذلك الكهف الصغير. سألتني: "ألا تعتقد أنه يبدو مثل حفرة أرنب ألِس؟"       
كانت أختي مغرمةً ب"مغامرات ألِس في بلاد العجائب" لِلويس كارول. لا أعلم كم من المرات جعلتني أقرأ لها الكتاب. لا بدّ أنها مائة مرَّة على الأقل. لقد بدأت تقرأ منذ أن كانت طفلة، إلا أنها أحبَّت أن أقرأ لها ذلك الكتاب بصوت عال. ومع أنها حفظت القصة، كانت تأخذها الحماسة في كل مرة أقرأها. جزؤها المفضَّل كان عن الكركند كوادريل. إنني أتذكر حتى الآن ذلك الجزء كلمةً كلمة.
قلت: مع أنّه لا يوجد أرنب.
قالت: سألقي نظرة على الداخل
قلت: كوني حذرة.
لقد كانت حفرة ضيقة حقًّا (تشبه كازا-آنا بحسب تعريف خالي)، بيْد أنَّ أختي الصغيرة كانت قادرة على الانزلاق فيها دون عناء. كان معظم جسدها في الداخل وخرج النصف السفلي من ساقيها فقط. بدا وأنها قد أشعلت مصباحها اليدوي داخل الحفرة. ثم خرجت ببطء إلى الوراء.
أخبرتني قائلة: تبدو الحفرة عميقة في الخلف. الأرضية تنخفض بحدَّة. تمامًا مثل حفرة أرنب ألِس. سأعود وأستكشف نهايتها.
قلت: كلا لا تفعلي. إنه خطر جدًّا.
لا بأس. أنا صغيرة الحجم وبوسعي الخروج. لا بأس.
خلعت سترتها الواقية، فبقيت بالتِي شيرت وناولتني السترة والخوذة. وقبل أن أتفوَّه بكلمة اعتراض كانت قد شقَّت طريقها متلويَّةً إلى داخل الكهف ومصباحها في يدها. في لحظة اختفت.
مضى وقت طويل ولم تخرج. لم أتمكَّن من سماع أي صوت.
صحت في داخل الحفرة: كومي، كومي! هل أنت على ما يرام؟
لم تكن هناك إجابة. ومع غياب الصدى، ابتلع الظلام صوتي. بدأ الأمر يقلقني. لعلَّها احتُجزت داخل الحفرة وعجزت عن الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف. أو لعلَّها أصيبت بتشنج هناك وغابت عن الوعي. إن حدث ذلك لن أكون قادرًا على مساعدتها. عبرت في رأسي سيناريوهات مريعة شتَّى وأحسست باختناق من الظلام المحيط بي.
إن اختفت أختي الصغيرة حقًّا في الحفرة ولم تعد قط إلى هذا العالم، كيف لي أن أشرح ذلك لوالديّ؟ هل أجري وأخبر خالي الذي ينتظر عند المدخل؟ أو أجلس متوترًا وأنتظر ظهورها؟ انحنيت ونظرت عبر الحفرة. لكنَّ ضوء مصباحي لم يصل بعيدًا. كانت حفرة صغيرة وكان الظلام مخيِّمًا.
صحت ثانية: كومي. ما من إجابة. صحت مرة أخرى بصوت أعلى: كومي. ما من إجابة أيضا. موجة من هواء بارد أصابتني بالقشعريرة في الصميم. قد أفقد أختي إلى الأبد. لعلَّها ابتُلِعت في حفرة ألِس، في عالم السلحفاة الساخرة، والقط تشيشر، وملكة القلوب. عالم لا مكان فيه للمنطق. ما كان ينبغي أن نأتي إلى هنا، فكَّرتُ.
لكنَّ أختي عادت أخيرًا. لم تخرج زاحفة من الخلف كالسابق، وإنما أخرجت رأسها أوَّلا. برز شعرها الأسود أوَّلا من الحفرة، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرًا حذاؤها الرياضي الوردي. وقفت أمامي دون أن تنبس بكلمة، تمطَّت وتنفست تنفسًا عميقًا ونفضت الرمل عن جينزها.
كان قلبي ما يزال يخفق بقوة. مددت يدي ورتَّبت شعرها الأشعث. لم أتمكَّن من ترتيبه جيّدًا في الضوء المعتم داخل الكهف، ولكن بدا أنَّ ثمة رمل وغبار وأوساخ أخرى عالقة بتِي شيرتها الأبيض. ألبستها السترة الواقية وناولتها الخوذة الصفراء.
قلت وأنا أحضنها: اعتقدت أنك لن تعودي.
هل قلقت؟
كثيرًا.
أمسكت بيدي بقوة. وقالت بصوت متحمِّس: لقد تمكَّنت من ضغط جسدي عبر الجزء الضيق، ثمّ عندما مضيت بعيدًا أصبح المكان منخفضًا فجأة، وبدا الأسفل هناك مثل حجرة صغيرة. حجرة دائرية مثل كرة. كان السقف دائريًّا والجدران دائرية والأرضية كذلك. وكان المكان صامتًا جدًّا جدًّا هناك وكأنك حتى لو بحثت في العالم كله لن تجد مكانًا بهذا الصمت. كنت وكأنني في أسفل محيط في حفرة تتعمَّق. أطفأت المصباح وأصبح المكان شديد السواد، ولكنني لم أشعر بالخوف أو الوحدة. تلك الحجرة مكان خاص مسموح لي فقط بدخوله. حجرة خاصة بي وحدي. ما من أحد آخر بوسعه الدخول إلى هناك. ولا أنت تستطيع.
لأنني كبير الحجم.
هزّت أختي الصغيرة رأسها. "صحيح. حجمك كبير لا يسمح لك بالدخول. المدهش حقًّا في ذلك المكان أنه أشد ظلمة من أي مكان يمكن أن يكون مظلمًا. شديد الظلمة إلى حدّ أنك حين تطفئ المصباح تشعر وكأنه بوسعك الامساك بالظلام بيديك. وكأنَّ جسدك يظهر ويختفي شيئًا فشيئًا. ولكنك لا تستطيع رؤية ذلك بسبب الظلام. إنك لا تعلم إن كان ما يزال لك جسد أم لا. ولكن حتى وإن اختفى جسدي تمامًا مثلا سأكون ما زلت هناك. مثل ابتسامة قط تشيشر التي تبقى بعد اختفاء جسده. غريب جدًّا، هاه؟ ولكنني حين كنت هناك لم أفكِّر أنَّ الأمر غريب مطلقًا. أردت أن أبقى هناك إلى الأبد، ولكنني فكرت أنك ستقلق فخرجت."
قلت: "لنخرج من هنا." بدت من شدة الحماسة أنها ستمضي في الكلام إلى الأبد، وكان عليّ أن أضع حدًّا لذلك. "لا أستطيع التنفس جيدًا هنا."
سألتني أختي قلقة: أأنت على ما يرام؟
أنا على ما يرام. أريد فقط أن أخرج.
تشابكت أيدينا وانطلقنا إلى المخرج.
"أتعرف؟" قالت أختي بصوت خفيض ونحن نمشي حتى لا يسمعها أحد آخر (مع أنه لم يكن أحد هناك). "إنّ ألِس توجد حقًّا. لم تكن القصة تأليفًا. كانت حقيقية. الأرنب البري، المجنون هَتَر، قط تشيشر، جنود أوراق اللعب... كلهم موجودون."
قلت: لعلهم كذلك.     
خرجنا من كهف الريح إلى العالم الحقيقي المشرق. كانت هناك طبقة رقيقة من الغيوم في السماء في ذلك الأصيل، ولكنني أتذكر كم كان سطوع الشمس مريعًا. كان صرير الزيزان صاخبًا مثل عاصفة عنيفة تغمر كل شيء. كان خالي يجلس على مقعد قريبا من المدخل مستغرقًا في القراءة. عندما رآنا ابتسم ووقف.
بعد عامين ماتت أختي. ووُضِعت في تابوت صغير وأُحرِقت. كنت في الخامسة عشرة وكانت في الثانية عشرة. بينما كانت تُحرق خرجت وانفصلت عن باقي أفراد عائلتي، جلست على مقعد في فناء المحرقة وتذكرت ما حدث في كهف الريح ذاك: ثقل الوقت وأنا أنتظر أختي الصغيرة تخرج، كثافة الظلام المحيط بي، البرودة الشديدة التي شعرت بها. شعرها الأسود وهو يبرز من الحفرة، ثم كتفاها. كل التراب والغبار العالق بتِي شيرتها الأبيض.
في ذلك الحين، داهمتني فكرة: أنه حتى قبل أن يعلن الطبيب في المشفى وفاتها رسميًّا بعد عامين لاحقًا، لعلَّ حياتها كانت قد سُلبت منها حين كانت في أعماق ذلك الكهف. اقتنعت في الحقيقة بذلك. لقد فُقِدت في تلك الحفرة، وغادرت العالم، ولكنني كنت أعتقد خطأً أنها كانت ما تزال على قيد الحياة، وأخذتها معي في القطار وأعدتها إلى طوكيو. أمسكتُ بيدها بقوة. وعشنا أخًا وأختًا عامين آخرين. بيْد أنَّ ذلك لم يكن أكثر من مهلة خاطفة. بعد عامين زحف الموت خارجًا من ذلك الكوخ ليقبض روح أختي. كأنما قد آنَ أوانُها، وكان لزامًا علينا أن ندفع ثمن ما أُعِرنا إياه، وجاء المالك ليستردَّ ما كان له.
بعد سنوات، أدركت كشخص راشد أنَّ ما أسرَّت به إليّ أختي الصغيرة بصوت خفيض في كهف الريح ذاك كان حقيقيًّا. ألِس موجودة حقًّا في العالم. الأرنب البري، المجنون هَتَر، قط تشيشر... جميعهم موجودون حقًّا.


ترجمها من اليابانية إلى الإنجليزية فيليب غابرييل
ترجمتها عن الإنجليزية زوينة آل تويّه
  



الثلاثاء، 19 يوليو 2016

مكالمة هاتفية




للكاتبة الأمريكية دوروثي باركر(Dorothy Parker (1893-1967
ترجمة زوينة آل تويّه

أرجوك يا إلهي اجعله يهاتفني الآن. إلهي العزيز، اجعله يهاتفني الآن. لن أسألك أيّ شيء آخر. بصدق لن أفعل. إنني لا أطلب الكثير. سيكون شيئا ضئيلا بالنسبة إليك يا إلهي، شيئا ضئيلا ضئيلا. اجعله يهاتفني وحسب. أرجوك يا إلهي، أرجوك، أرجوك، أرجوك.
لو أنني لا أفكّر بالأمر، فقد يرنّ الهاتف. يفعل ذلك أحيانًا. لو أنني أستطيع التفكير في أي شيء آخر، لو أنني أستطيع التفكير في أي شيء آخر. لو أنني أعدّ حتى الخمسمئة بإضافة خمسة في كل مرة، قد يرنّ في أثناء ذلك. سأعدّ ببطء. لن أغشّ. وإذا رنّ عند بلوغي الثلاثمئة فلن أتوقف، لن أجيب حتى أصل إلى الخمسمئة. خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، ثلاثة وخمسون، أربعون، خمسة وأربعون، خمسون.... أرجوك رنّ أرجوك.
هذه آخر مرة أنظر فيها إلى الساعة. لن أنظر إليها ثانيةً. إنها السابعة وعشر دقائق. قال إنه سيهاتفني في الخامسة. "سأهاتفك في الخامسة يا حبيبتي". أعتقد أنه هنا قال "حبيبتي". إنني متأكدة تقريبًا أنه قالها هنا. أعرف أنه دعاني "حبيبتي" مرتين، وكانت المرة الثانية عندما قال وداعًا. "وداعًا يا حبيبتي". كان مشغولا، ولم يكن باستطاعته قول الكثير وهو في المكتب، لكنه قال لي "حبيبتي" مرتين. لم يكن سينزعج من مهاتفتي إياه. أعلم أنه لا ينبغي مواصلة مهاتفتهم، أعلم أنهم لا يحبون ذلك. عندما نفعل ذلك يعرفون أننا نفكّر فيهم ونريدهم، وذلك يجعلهم يكرهوننا. لكنني لم أحادثه منذ ثلاثة أيام، لا ليس منذ ثلاثة أيام. وكل ما فعلته أنني سألته عن حاله. كان ذلك تمامًا مثلما يهاتفه أي شخص آخر. لم يكن سينزعج من ذلك. لن يفكّر أنني أزعجه. قال: "لا، بالطبع إنك لا تزعجينني". وقال إنه سيهاتفني. لم أسأله ذلك، صدقًا لم أفعل. متأكدة أنني لم أفعل. لا أعتقد أنه سيقول أنه سيهاتفني ثم لا يفعل. أرجوك لا تدعه يفعل ذلك يا إلهي. أرجوك لا تدعه.
"سأهاتفك في الخامسة يا حبيبتي"، "وداعًا يا حبيبتي". كان مشغولا، وكان على عجلة من أمره، وكان هنالك أناس حوله، لكنه دعاني "حبيبتي" مرتين. ذلك لي، ذلك لي. لي ذلك حتى إن كنت لن أراه مرة أخرى أبدًا. أوه، لكن ذلك قليل جدّا. ذلك لا يكفي. لا شيء يكفي، إن كنت لن أراه مرة أخرى أبدًا. أرجوك دعني أراه مرة أخرى يا إلهي. أرجوك، أريده بشدّة. أريده بشدة. سأكون طيبة يا إلهي. سأحاول أن أكون أفضل، سأحاول. لو أنك تجعلني أراه مرةً أخرى، لو أنك تجعله يهاتفني. أوه، دعه يهاتفني الآن.
آه، لا تجعل صلواتي لك تبدو تافهة جدّا يا إلهي. إنك تتربّع هناك في الأعالي، شديد البياض ومسنًّا، والملائكة تحيط بك، والنجوم تنسلّ من حولك، وأنا آتي إليك بصلاة لأجل مكالمة هاتفية. آه، لا تضحك يا إلهي. أترى، إنك لا تعرف كيف أشعر. أنت آمِنٌ جدّا هناك في عرشك، والزرقة تُدوِّم تحتك. لا شيء يمكنه أن يلمسك، ما من أحد باستطاعته أن يلوي قلبك بين كفّيه. إنها معاناة يا إلهي، معاناة سيئة للغاية. ألن تساعدني؟ لأجل ابنك ساعدني. قلت إنك ستجيب أي طلب يُسأَل باسمه. أوه يا إلهي، باسم ابنك الوحيد الحبيب، يسوع المسيح، سيّدنا، دعه يهاتفني الآن.
يجب أن أوقف ذلك. يجب ألا أكون هكذا. اسمع. لنفترض أن شابًّا يقول أنه سيهاتف فتاة، ثم يحدث شيء ما ولا يفعل. أليس ذلك أمرًا فظيعًا، أليس كذلك؟ إنه يحدث حول العالم كلّه هذه اللحظة. أوه، وما يهمني ما يحدث حول العالم؟ لم لا يرنّ ذلك الهاتف؟ لم لا يرنّ، لم لا يرنّ؟ ألا ترنّ؟ آه، أرجوك، ألا تفعل؟ أيّها اللعين القبيح اللامع! سيؤذيك أن ترنّ، أليس كذلك؟ أوه، ذلك سيؤذيك. عليك اللعنة، سأنزع أسلاكك القذرة من الجدار، سأهشّم وجهك الأسود المتغطرس إلى نتفٍ صغيرة. عليك اللعنة، إلى الجحيم.
لا، لا، لا. يجب أن أتوقف. يجب أن أفكّر في شيء آخر. هذا ما سأفعله. سأضع الساعة في الغرفة الأخرى، وعندها لن أتمكّن من النظر إليها. إن كان عليّ أن أنظر إليها، سيكون عليّ أن أمشي إلى غرفة النوم، وسيكون ذلك شيئًا أفعله. ربمّا، قبل أن أنظر إليها مرة أخرى، سيهاتفني. سأكون لطيفة جدًّا معه لو هاتفني. وإذا قال إنه لن يتمكّن من رؤيتي الليلة سأقول: "لا عليك، لا بأس يا عزيزي. لا عليك، بالطبع لا بأس". سأكون مثلما قابلته أول مرة، ولعلّه سيحبني مرة أخرى. طالما كنت لطيفة في البداية. أوه، من السهل جدًّا أن نكون لطيفين مع الآخرين قبل أن نحبّهم.
أعتقد أنه ما زال يحبني قليلا. لم يكن ليقول لي "حبيبتي" مرتين اليوم لو لم يزل يحبني قليلا. لم ينته كل شيء إن كان ما يزال يحبني قليلا، حتى لو كان ذلك قليلا، بعض الشيء. أترى يا إلهي، لو أنك تدعه يهاتفني وحسب، لن أسألك أي شيء آخر. سأكون لطيفة معه، سأكون مرِحة، سأكون مثلما كنت وحسب، ومن ثمّ سيحبني مرة أخرى، وبعدها لن أسألك أي شيء آخر ثانيةً. ألا ترى يا إلهي؟ إذن ألن تجعله يهاتفني رجاءً؟ ألن تفعل أرجوك، أرجوك، أرجوك؟
هل تعاقبني يا إلهي لأنني كنت سيئة؟ أغاضبٌ مني لأني فعلت ذلك؟ أوه، لكن يا إلهي، ثمّة أناس سيئون كثيرون، ولن تكون قاسيًا عليّ أنا بالذات. ولم يكن الأمر سيّئًا، ما كان سيّئًا. لم أُلحق الأذى بأحد يا إلهي. تغدو الأمور سيئة فقط عندما نؤذي الناس. وأنا لم أُلحق الأذى بروحٍ واحدة، إنك تعرف ذلك. تعرف أن الأمر لم يكن سيّئًا، أليس كذلك يا إلهي؟ وإذن، ألن تدعه يهاتفني الآن؟
إن لم يهاتفني سأعرف أن الإله غاضب مني. سأعدّ حتى الخمسمئة بإضافة خمسة في كل مرة، وإن لم يهاتفني سأعرف أن الإله لن يساعدني مرة أخرى أبدًا. تلك ستكون الإشارة. خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون، أربعون، خمسة وأربعون، خمسون، خمسة وخمسون... كان ذلك سيّئًا، أعلم أنه كان سيّئًا. لا بأس يا إلهي، فلترسلني إلى الجحيم. تعتقد أنك تخيفني بجحيمك، أليس كذلك؟ تعتقد أن جحيمك أسوأ من جحيمي.
لا يجب أن أفعل ذلك، لا يجب. لنفترض أنه سيهاتفني في وقت متأخر قليلا، ذلك أمر لا يجعلني هستيرية. لعلّه لن يهاتفني، لعلّه سيأتي رأسًا إلى هنا من دون مهاتفة. سيغضب إذا رآني أبكي. إنهم لا يحبون أن يرونا نبكي. إنه لا يبكي. أدعو ربّي أن يجعله يبكي. أتمنى لو أستطيع أن أجعله يبكي ويتمرّغ على الأرض ويحس قلبه مثقلا ومتضخّمًا ومتقيّحًا داخله. أتمنى لو أستطيع إيذاءه أذى جحيميّا.
إنه لا يتمنى لي ذلك. لا أظن أنه يعرف حتى ما أحسّ به. أتمنى لو يعرف من دون أن أخبره. إنهم لا يحبون أن نخبرهم أنهم يجعلوننا نبكي. لا يحبون أن نخبرهم أننا حزينات بسببهم. وإن فعلنا سيفكّرون أننا متملِّكات ومتطلِّبات. ثم يكرهوننا. يكرهوننا كلما قلنا شيئا نفكّر فيه في الواقع. علينا دائمًا أن نخترع ألعابًا صغيرة. أوه، اعتقدت أننا لسنا بحاجة إلى ذلك. اعتقدت أن هناك متسعًا لقول كل ما أعنيه. أظن أننا لا نستطيع ذلك مطلقًا. أظن أنه ما من شيء يتسع لذلك. أوه، لو أنه يهاتفني فقط، لن أخبره أنني كنت حزينة لأجله. إنهم يكرهون الأشخاص الحزانى. سأكون لطيفة جدّا ومرحة جدّا إلى حدّ أنه لن يملك إلا أن يحبني. لو أنه يهاتفني وحسب. لو أنه يهاتفني وحسب.
لعلّ هذا ما سيفعله. لعلّه قادم إلى هنا من دون أن يهاتفني. لعلّه في طريقه الآن. لعلّ شيئا حدث له. لا، لا شيء يمكن أن يحدث له. لا أستطيع تصوّر حدوث مكروهٍ له. لم أتصوره متعرّضًا لحادث دهس قط. لم أتخيله ممدّدًا بلا حراك وطويلا وميتًا قط. أتمنى لو كان ميتًا. تلك أمنية بشعة. تلك أمنية مبهجة. لو كان ميتًا لصار لي. لو كان ميتًا لما فكرت مطلقًا في الآن وفي الأسابيع القليلة الأخيرة. لتذكرت الأوقات السعيدة فقط. لكان كل شيء جميلا. أتمنى لو كان ميتًا. أتمنى لو كان ميتًا، ميتًا، ميتًا.
هذا سُخف. من السخف أن نتمنى موت الآخرين لمجرد أنهم لم يهاتفونا في اللحظة ذاتها التي قالوا أنهم سيهاتفوننا فيها. لعلّ الساعة سريعة. لا أعلم إن كانت صحيحة. لعلّه كان بالكاد يتأخر، وقد يكون ثمة ما جعله يتأخر قليلا. ربما كان عليه أن يبقى في مكتبه. ربما ذهب إلى البيت ليهاتفني من هناك ودخل أحدهم. لا يحب أن يهاتفني أمام الناس. لعلّه كان قلقًا، قليلا فقط، بعض الشيء، بشأن جعلي أنتظره. لعلّه تمنّى حتى لو أنني أهاتفه. أستطيع فعل ذلك. أستطيع مهاتفته.
لا يجب أن أفعل ذلك، لا يجب، لا يجب. أوه يا إلهي، أرجوك لا تدعني أهاتفه. أرجوك امنعني من فعل ذلك. أعرف يا إلهي جيّدا كما تعلم أنت أنه إن كان قلقًا بشأني لهاتفني أينما كان ومهما كان حوله من ناس. أرجوك دعني أعرف ذلك يا إلهي. لا أسألك أن تيسّر الأمر لي، لا تفعل ذلك، فقط دعني أعرف يا إلهي. لا تتركني أتمادى في الأمل. لا تتركني أقول أشياء مطمئِنة لنفسي. أرجوك لا تتركني آمُل يا إلهي العزيز. لا تفعل أرجوك.
لن أهاتفه. لن أهاتفه مرة أخرى ما حييت. ليتعفّن في الجحيم قبل أن أهاتفه. ليس عليك أن تمنحني القوة يا إلهي. لدي القوة. إن أرادني سيصل إليّ. يعرف أين أنا. يعرف أنني أنتظر هنا. إنه متأكدٌ تمامًا مني، متأكدٌ تمامًا. أتعجّب لماذا يكرهوننا بمجرد أن يكونوا متأكدين منّا. عليّ أن أفكر أنه سيكون لطيفًا جدًّا أن نكون متأكدين من الآخرين.  
سيكون من السهل مهاتفته. عندها سأعرف. ربما لن يكون من الحماقة فعل ذلك. ربما لن يكترث. ربما سيحب ذلك. ربما كان يحاول الوصول إليّ. أحيانا يحاول الناس ويحاولون أن يصلوا إلى بعضهم بعضًا عبر الهاتف ويقولون أن الرقم لا يجيب. لا أقول ذلك فقط لأساعد نفسي، ذلك يحدث فعلا. تعرف أن ذلك يحدث يا إلهي. أوه يا إلهي، أبعدني عن ذلك الهاتف. أبعدني. دعني أحتفظ ببعض الكبرياء. أعتقد أنني سأحتاج إلى ذلك يا إلهي. أعتقد أنها كلّ ما أملك.
أوه، وما تهمّ الكبرياء عندما لا أستطيع الصمود إن لم أتحدث إليه؟ كبرياء كهذه شيء تافه دنيءٌ سخيف. الكبرياء الحقيقية، الكبرياء الكبيرة هي أن لا تكون هناك كبرياء. لا أقول ذلك لمجرد أنني أريد أن أهاتفه. لا، ذلك صحيح، أعرف أن ذلك صحيح. سأكون كبيرة. سأكون أكبر من مشاعر الكبرياء التافهة.
أرجوك يا إلهي امنعني من مهاتفته. أرجوك يا إلهي.
لا أرى ما شأن الكبرياء بذلك. هذا أمرٌ تافهٌ لأدخل فيه الكبرياء ولأثير كلّ هذا الضجيج. قد أكون أسأت فهمه. ربما قال لي أن أهاتفه في الخامسة. "هاتفيني في الخامسة يا حبيبتي". ربما قال ذلك، رائع جدّا. من الممكن جدّا أنني لم أسمعه جيدًا. "هاتفيني في الخامسة يا حبيبتي". إنني على ثقة تقريبا أن هذا ما قاله. يا إلهي، لا تتركني أحدّث نفسي هكذا. دعني أعرف، أرجوك دعني أعرف.
سأفكر في شيء آخر. سوف أجلس بهدوء وحسب. لو أنني أستطيع الجلوس ساكنةً. لو أنني أستطيع الجلوس ساكنةً. لعلني أستطيع القراءة. أوه، جميع الكتب تتحدث عن أناس أحبّ بعضهم بعضًا، بصدق وبعذوبة. لِمَ يرغبون في أن يكتبوا عن ذلك؟ ألا يعلمون أن ذلك ليس صحيحًا؟ ألا يعلمون أن ذلك كذبة، كذبة لعنها الإله؟ ما لديهم ليقولوه عن ذلك عندما يعرفون أنه يؤذي؟ عليهم اللعنة، عليهم اللعنة، عليهم اللعنة.
لن أفعل. سأبقى هادئة. إنه لا شيء لأتحمس لأجله. اسمع. لنفترض أنه شخص لا أعرفه جيّدا. لنفترض أنه فتاة أخرى. عندها سأهاتف وأقول: "بحقّ الإله، ما خطبك؟" ذلك ما سأفعل حتى إنني لن أفكر فيه. لم لا أكون عفويةً وطبيعية فقط لأنني أحبه؟ أستطيع أن أكون كذلك. بصدق، أستطيع أن أكون كذلك. سأهاتفه وسأكون سلسة ولطيفة جدّا. سترى ذلك يا إلهي، أوه، لا تتركني أهاتفه. لا تفعل، لا تفعل، لا تفعل.
إلهي، ألن تجعله يهاتفني فعلا؟ أمتأكد يا إلهي؟ ألا تستجيب؟ ألا تفعل؟ إنني لا أسألك حتى أن تجعله يهاتفني في هذه اللحظة، يا إلهي، اجعله يفعل ذلك بعد قليل. سأعدّ حتى الخمسمئة بإضافة خمسة في كل مرة. سأعدّ ببطء شديد وبإنصاف شديد. إن لم يهاتفني سأهاتفه. سأفعل. أوه، أرجوك يا إلهي العزيز، إلهي الطيب العزيز، أبي المبارك في السماوات، دعه يهاتفني قبل ذلك. أرجوك يا إلهي أرجوك.
خمسة، عشرة، خمسة عشر، عشرون، خمسة وعشرون، ثلاثون، خمسة وثلاثون.


الثلاثاء، 31 مايو 2016

نشرُ صورك على الإنترنت ليس حياةً أنت تصنع نعيَك الخاص



للكاتب الهندي البريطاني رانا داسغوبتا Rana Dasgupta
ترجمة زوينة آل تويّه
المصدر: الجارديان


وأنت توجّه شاشة هاتفك نحو كل شيء، من كاتدرائية نوتردام إلى قطعة من كعكة الشوكولاه، تذكّر أن هذه الصور لن تكتسب أهميتها إلا بعد أن ترحل.


ها هو الصيف يُقبل مجدّدا، ويحزم الناس حقائبهم هربًا منه، عيونهم مستعدة لمشاهد حيّة: شواطئ مشمسة، ومتاحف شهيرة، ومقاهٍ مظلَّلة.
ومع ذلك، هناك عيون أكثر من ذي قبل سترى أن لا شيء أكثر حياةً من شاشات هواتفهم الذكية. لن يكونوا بحاجة إلى النظر إلى غروب الشمس وأشجار النخيل، ذلك لأن بحوزتهم نسخًا متكاملة على أجهزتهم (كْلِك!). لن يُسبّب الحجم الضخم لكاتدرائية نوتردام في باريس، أو المسرح الروماني [كولوسيوم] في روما أيَّ إجهادٍ للعين: ستكون العين قادرة على رؤية عظمة هذه المواقع بحجمٍ رقمي مصغّر وغير مؤذٍ (كْلِك!)، وستمنحها الشاشات نسخها الخاصة من الموناليزا أو من زهور عباد الشمس لڤان جوخ، نُسخًا تتميّز عن الأصول تميّزا كبيرا، نُسخًا يمكن امتلاكها وحفظها واستخدامها مادةً لحكايةٍ شخصية على الإنترنت.

عندما نرى مزيدا من الآباء والأمهات يراقبون أطفالهم يكبرون على نحوٍ كامل على الشاشة، يغدو واضحًا أن حفظ المحفزات الحسيّة لدينا في هيئة رقمية أصبح حدثًا رئيسًا. لا أحد يظن حقًّا أنه سيجلس في المستقبل ليستعيد كل شيء سجّله. من الواضح أن ذلك ليس الهدف. كلا، فالفكرة هي أن الذاكرة الاعتيادية أصبحت غير كافية لأن تكون تسجيلا ل"الحياة"، أيًّا يكن ذلك. تحتاج التجربة الإنسانية إلى أن تتحول إلى تجربة غير إنسانية كي تكون واقعية. إِنْ لم تُسجَّل رقميًّا، فإنها لم تحدث.

كيف وصلنا إلى هنا؟ إنه عصرٌ مادي عصرُنا هذا، ولهذا نحن ميالون لتصديق التفسيرات المادية. نخبر أنفسنا أن التكنولوجيا الرقمية سبّبت هذا التقليل من قيمة التجربة. غير أن التفسير المضاد، مع أنه أكثر غموضًا، صحيحٌ على حدّ سواء. إنه التقليل من قيمة التجربة ما أدّى إلى التكنولوجيا الرقمية. ليس الأمر أن الاصطناعية الرقمية موجودة، ومن ثمّ، وبمصادفة رائعة "احتاجت إليها" حياتنا الداخلية فجأةً. كلا، فنحن ومنذ أكثر من قرن محاصرون في عمليات آلية جعلتنا نتوقف عن الإيمان بتجاربنا، وكأناسٍ مستعمَرين يحاولون تأكيد ذواتهم بلغة المضطهِد نشعر بموجة من المهابة تجتاحنا مع كل كلمة جديدة نتعلمها من لسان الآلة نفسها.

وبالطبع، إن كان بمقدور الآلات الضحك، فإنها ككل المضطهِدين الآخرين السابقين ستتدحرج على الأرض من فرط الضحك على جهودنا في "تكلّم لغة الآلة". سترى حقيقة توثيقنا الذاتي المهووس: محاولة عقيمة لتأكيد ما لا نؤمن به  نحن أنفسنا، أي حقيقة أننا نحيا فعلا. "أنا أزور نيويورك. آكل كعكة الشوكولاه. لديّ زهرة على شعري".
عندما كان الناس يعيشون حقًّا، لم يكونوا بحاجة إلى الاعتراض كثيرا. لم يكونوا يتخيلون أن الغرباء قد يهتمون بحقيقة أنهم تناولوا كعكة الشوكولاه على الغداء، ولا أثناء حياتهم على الأقل. كانوا على دراية أن توافه كهذه تغدو ذات أهمية في لحظة الموت وحسب، اللحظة التي يكون فيها التأثر غامرا على نحو مفاجئ عندما نتذكر أن أحدهم كانت له هذه الملابس، وهذا الطعام، وهذه الإيقاعات.

في العصر الذي كان الناس ما يزالون يؤمنون بأنفسهم، كانوا يكتبون سيرهم الذاتية. نحن، بالمقابل، أصبحنا ننعى أنفسنا. مع كل ما يفعله مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق ذواتهم بين يوم وآخر، فإن ما يسجلونه ليس حياة. إنه بالأحرى موت في الحياة. إنه "وجود" فرّت منه الحياة، مخلّفةً وراءها قشورًا رقمية. آثارنا في وسائل التواصل الاجتماعي نعيٌ نكتبه بأنفسنا، مجموعة من الذكريات نتركها للأجيال القادمة لنمنح قوةً لهذا الادعاء البسيط الزائف: أننا عشنا. عند لحظة مماتنا فقط تكتسب حساباتنا في الفيس بوك أو الانستجرام أهميتها الحقيقية والمقصودة دائما. وأخيرا تصبح كعكة الشوكولاه التي تناولناها مرّةً على الغداء ذات مغزى.

يكمن التحقّق الكامل لذلك في المستقبل، وسيأتي يوم يكون فيه لهذا الهوس الصيفي بالشاشة معنى في نهاية المطاف. إننا فقط لن نعيش لنراه.