الاثنين، 8 فبراير 2016

الهارب من الجندية




كلمات وغناء: بوريس فيان
ترجمة زوينة آل تويّه




سيدي الرئيس
أكتب لك رسالة
لعلك تقرأها
إن سنح لك الوقت
تلقيّت توّا
أوراق التجنيد
للذهاب للحرب
قبل مساء الأربعاء

سيدي الرئيس
لا أريد فعل ذلك
فلستُ على هذه الأرض
لقتل الفقراء
لا أريد إغضابك
لكن عليّ أن أقول لك
أنّ قراري ناجز
وأنني لن أذهب للتجنيد

مُذ وُلدت
شهدت موت أبي
شهدت رحيل إخوتي
ورأيت بكاء أطفالي
أمي عانت الكثير
وفي قبرها
ترقد هازئةً بالحرب
هازئةً بالقصائد

عندما كنت في الأسْر
سلبتموني زوجتي
سلبتموني مهجتي
وكلّ ماضيّ العزيز
غدًا وفي الصباح الباكر
سأغلق بابي
في وجه السنون الميتة
وسأمضي في الدروب

سأتسوّل حياتي
على طرقات فرنسا
في بريتاني في بروفانس
وسأقول للناس:
فلترفضوا الخضوع
ولترفضوا الحرب
اجتنبوها
وارفضوا الرحيل
وإن كان من إراقة الدم لا مفر
فليكن دمك أنت أيها الرئيس
فأنت المبشّر المعطاء

سيدي الرئيس
إن تعقّبتني
فلتبلغ جنودك
أنني لست مسلّحًا
وليطلقوا النار



الاثنين، 28 ديسمبر 2015

ماكوندو


عن مائة عام من العزلة

https://mail.google.com/mail/images/cleardot.gif
أنا الآن في ماكوندو، المدينة التي اخترعها ماركيز بكل ما أوتي من طاقة خيال. أرى أورسولا وهي تمعن في التقدم في العمر إلى ما لا نهاية. تفقد نظرها تماما لكنها ترى من خلال ذاكرتها كل شي، وتعرف أين اختفى خاتم زواج فرناندا التي قلبت البيت الكبير رأسا على عقب بحثًا عن الخاتم. في الصالة أرى أمارانتا جالسة ومنسية هناك منذ زمن بعيد وهي تحيك كفنها بكل إتقان وإخلاص، وبثقة أنها ستموت في اليوم الذي ستنهي فيه آخر خيط في الكفن، وتعرف أن الموت ينتظرها حتى تفرغ من ذلك. في جانب آخر من البيت خرجت إلى المختبر الذي احتضن أفكار خوزيه أركاديو بوينديا واختراعاته المجنونة والتي كان يستلهمها من زيارات الغجر لماكوندو في شهر مارس من كل عام، جالبين معهم اختراعات شتى من جهات العالم، لتسحر ماكوندو وتخطف لُب خوزيه أركاديو بوينديا. وعندما يموت لا تجد أورسولا مكانا أفضل لدفنه من شجرة الكستناء التي رُبط إليها عندما فقد عقله وظل هناك زمنا طويلا. لكن أورسولا أيضا لم تتوقف عن الحديث إلى زوجها هذا وهو تحت الشجرة، تشكو إليه الحال الذي آل إليه البيت والأبناء وماكوندو التي كانت هو من وجدها في زمن غابر. وأرى في المختبر ذاته الكولونيل أورليانو بويندا وهو يقضي آخر سنواته صانعا أسماكه الذهبية المفضلة بصبر محارب قديم.. وكلما انتهى من مجموعة منها أذابها كلها ليعاود صناعتها من جديد. وهكذا أراد أن يعيش الكولونيل معزولا في جسده وروحه بعد أن فشل في حروبه الكثيرة التي امتدت سنوات طويلة والتي ما عرف قط لأي سبب نشبت. يموت الكولونيل أورليانو متكئا على شجرة الكستناء التي كان يتبول عليها كلما نادته الطبيعة غير آبه أن أباه يرقد تحتها ضاربا بتوسلات أورسولا عرض الحائط. مات الكولونيل بعد أن خبر شعورا نوستالجيا وحيدا وبعيدا جدا للحظة وجيزة عندما سمع ضجيجا في الخارج ولمّا خرج رأى موكب سيرك يزور ماكوندو، وعندما عاد إلى شجرة الكستناء تبول وراح يفكر في السيرك والمهرجين باحثا عن ذكرى بعيدة لكنه لم يفلح في إيجادها. اتكأ بجبينه على الشجرة ومات. ولم تكتشفه العائلة إلا في اليوم التالي عندما رأووا النسور تحوم فوق الشجرة. عندما وقفت عند تلك الشجرة لم أستطع نسيان أبناء الكولونيل السبعة عشرة، والذين يحملون جميعا اسم أورليانو. رأى الكولونيل المصير التراجيدي لأبنائه جميعا مكتوبا على جبين كل واحد منهم. وفي غضون أسبوع، في أماكن مختلفة، قُتِل الأورليانو جميعهم بطلقات لم تخطئ علامة الصليب في جبين كل منهم. أخرج من بيت أورسولا وأمضي في شوارع ماكوندو وأزقتها، مارّة بشارع الأتراك الذي كان عربيًّا أيضا. ثم أقصد بيت ريبيكا، متهالك ومنخور وتسكن السحالي جدرانه وأبوابه ونوافذه المتشققة. تجلس ريبيكا في وسط البيت، عجوزا ذابلة ولا أحد في ماكوندو يعرف إن كانت ما تزال على قيد الحياة. لم يعرف أحد ذلك إلا عندما أراد أحد أبناء الكولونيل دخول البيت المهجور واتخاذه سكنا. ما كان من ريبيكا إلا أن تصدت له وطردته من البيت الذي آلت على نفسها ألا تبرحه أبدا وألا تعود مطلقا إلى البيت الكبير الذي ترعرعت فيه. ولم تعرف أبدا أن أمارانتا كانت تحيك لها ثوب الموت أيضا، ربما لأنها -أمارانتا- تمنت أن تموت ريبيكا قبلها وأن تدفن للأبد تلك الضغينة التي حملتها لها طوال حياتها لأنهما أحبّتا الرجل نفسه ولم تتزوجه أيّ منهما. كان يحب ريبيكا لكنها في نهاية المطاف هجرته، ثم أحب أمارانتا التي رفضته ورفضت كل رجل أراد الاقتران بها وعاشت في حداد أبدي. وفي نهاية المطاف مات العاشق منتحرا وعاشت الاثنتان كلا في كهف عزلتها. 
إنها رواية العزلة الإنسانية، عزلة كل كائن فينا. 

زوينة آل تويّه 


الأربعاء، 23 ديسمبر 2015

العازف


"ذلك أنَّ الصُّورَ التي أُحبُّ، إجمالاً، مبْنِيَّةٌ على شاكلةِ سوناتة كلاسيكية"
رولان بارت

كان يجلسُ في الصفِّ الثالث، يحضن آلةَ الكونترباص الضخمة. بدا ضئيلاً لفرط ضخامتِها، وبدتْ هائلةً لشدة ما هو صغير. غير أنَّه كان جذَّاباً أيضاً وهو يخاصرُها. وحدَهُ من بين العازفين كان ناتئاً وشاخصاً بآلتِه، قوامُه رشيق.. له حاجبان كثيفان وعينان تذكِّران بعينيّ الصَّقر، تحدِّقان بحدَّة في الآلةِ التي كانت تستجيبُ برشاقةٍ لرقصاتِ أصابِعهِ على أوتارِها. سوف تلتصقُ هذه الصورةُ بذاكرتِها طويلاً لتكتشفَ بعد أعوامَ ممتدةٍ أنَّ عازفَ الكونترباص لم يكن وهماً، وأنَّ لها ذاكرةً قويَّةً وقلباً حاضراً أمامَ الشاشةِ آنذاك، وأنَّ الصورَ كاسحةٌ وتجتمعُ في صمتِها كلُّ الدُّهور. إنَّ الرَّبطَ بينَ الصورةِ، التي شاهدتْها الفتاةُ قبلَ أعوامَ طويلةٍ على الشاشةِ، والصورةِ الفوتوغرافيةِ التي رأتْها بعدَ ذلك قد يبدو ضرْباً من الشّطح وتحميلِ الأشياء أكثر مما ينبغي. لكنَّ الصورةَ في الوقت ذاتِه ليست من التبسيط والسَّذاجة بحيث يمكن عبورُها واجتيازُها من دونِ الاصطدام بلسعاتِها المفاجئة. إنَّ التأملَ في الصورتين يُفضي إلى أنهما صورةٌ واحدةٌ كانت قبل أعوام طويلةٍ أكثرَ حركةً وصوتاً، لكنها سكنتْ بعد ذلك وجمدتْ في يدِ العازف. العازفُ لم يكبرْ في الصورةِ ولا في الشاشة، بل كبُر خارجَها. وكذلك الفتاةُ، والتي ظلَّت خارجَ الصورةِ أصلاً.

لكنْ ما الذي يجعلُ صورةَ ذلك العازف على الأخصِّ من بين جميعِ العازفين تقبعُ بذاكرتِها لتقابِلَه في الحقيقة بعد تلك الأعوام؟!. هل كانت تَقرَأُ مستقبلاً، ماضياً ما داخلَ الصورة؟، هل كانت تنتظرُ وتَتلهَّفُ عبرَ الصورة؟!. مضتْ الشاشةُ بعيداً وغيَّبتْها الأعوام، لكنَّ العازفَ بقيَ في صورةٍ فوتوغرافيةٍ بالهيئةِ نفسِها التي ظهرَ عليها في الشَّاشة. لقد جمدتْ تلك اللحظةُ في صورة، وبقيتْ الفتاةُ هي الشاهدَ الوحيدَ على هذا التحوُّل لأنَّها تحتفظُ أيضاً بِصورةٍ داخلَها.

خلال الأعوامِ الطويلةِ أخذتْ الصورُ الثلاثُ للعازف – في الشاشة، ذاكرةُ الفتاة والصورةُ الفوتوغرافية – تتفاعلُ وتتحاورُ وتتجاذبُ أطرافَ الذاكرةِ والنِّسيان. الفتاةُ لا تنسَى إلاّ لتتذَكَّر، ذلك أنَّ الأعوامَ الطويلةَ تمرُّ بطيئةً، وذكرى قويَّةٌ كتلك الصورةِ لا يمكن نسيانُها بسرعة في زمنٍ طويلٍ يَمرُّ ببطء. وهي أيضاً تنسى لأنَّ وعيَها يكبرُ بسرعة ويتطلَّعُ لحقيقةٍ كانت تشعُّ من الصورةِ نفسِها. الانشغالُ بالنِّسيان هو التذكُّرُ بعينِه. لكنَّها تقفُ مذهولةً أمامَ العازف بعدَ الأعوامِ الطويلة رغمَ أنَّها كانت دائماً تتهيَّأ للتذكُّرِ والنِّسيان. إنَّ الذي يقف أمامَها يتجاوزُ كلَّ ذلك، وهو حاضرٌ بقوَّة لا يمكن تذكُّرُه أو نسيانُه أو حتَّى تخيُّله. إنَّه مألوفٌ وقريب وفي الوقتِ ذاتِه كائنٌ آخر اكتسى غرابتَه بمُثولِه القويّ. ها هي ذي صورةٌ رابعةٌ إذن: هل يمكن تسميتُها بالصورةِ الحقيقية لتمييزِها عن صورةِ الشَّاشةِ وصورةِ الذَّاكرة والصورةِ الفوتوغرافية؟!!

إنّ الفتاةَ تبقى واحدةً أمام الصورِ المختلفةِ أو العازفِ المتعدِّد. وإذا كانت في موقفِ اختيار.. أيُّها تختار؟ ألا يختلط عليها الأمر؟ وهل يقف عند حدِّ الاختيار؟ ثمَّ هل تحتمل المسألةُ الاختيار؟! إنَّ الصورةَ الأولى هي النظرةُ الأولى والمصادفةُ الأولى والحبُّ الأولُ الذي يلوِّحُ عبر الشاشة ولا يمكن ملامستُه، لكنه ينتعش وينتشر في الدَّاخل، في المرتفِعِ من القلب والذاكرة لتتشكلَ الصورةُ الثانية.. المؤلمةُ والمكتنزةُ بالانتظار والتَّرقُّب. إنَّها أكثرُ الصورِ نتوءاً وبروزاً ووخزاً، ذلك أنَّها طويلةٌ تقع بين الأعوام الممتدَّة فيما بين الصورتين الأولى والثالثة. تمحُو وتنقضُ كلَّ الخيوطِ المتشابكة التي تنسجُ عمرَ الفتاة التي حتماً لا تتوقف خطواتُها عند الصورةِ الأولى، على اعتبار أنَّ الكائنَ الحيَّ يكبرُ ويتحوَّلُ ويتأزَّمُ ويجرِّبُ ويرى الكثير. لكنَّ الفتاةَ في الصورةِ الثانية وهي تمرُّ بكلِّ ذلك لا تفتأ تتذكَّر المصادفةَ الأولى وتتفكّرُ وتحلّلُ وتشتاقُ وتضحكُ وتبكي وتذبلُ وتحنّ. إنَّ ذكرى هذه المصادفةَ هي الأبرزُ والأحدُّ في وعيِها، لأنّها تواصلُ وخزَها حتَّى في الصورةِ الفوتوغرافيةِ الجامدة. هذه الصورةُ الجامدةُ تثيرُ الذاكرة فتنتعشُ وتتلوَّنُ وتكفُّ عن جمودِها لتهتزَّ في يدِ العازف وتصيبَ الفتاةَ بالذهول لتصطدمَ بمعذِّبها وبكلِّ الصورِ التي مَثَّلته في حياتِها. وفي لحظة الاصطدام هذه تبهتُ الصورُ وتسقطُ الأحلامُ تباعاً. الحقيقةُ مُرَّةٌ وكافَّةٌ للحُلم. لم يعد ثَمَّة صور. كان جديراً بالعازفِ أن يبقى داخل قُمْقُمِهِ لتنتشرَ الصورُ وتتكاثف. إنَّه أكثرُ إشراقاً وبروزاً إذا بقي في الدَّاخل، إذا لم يظهر. فالفتاةُ تتمتَّعُ بخيالٍ فاتِن يجعلُ عازفَها يتجدَّدُ ويتعدَّد. تسهرُ على ولادتِه كلَّ لحظة، خاصة حين يكون بعيداً عنها.. في مكانٍ خبيءٍ وقصيٍّ في الذاكرة. تستحضرُه بما تمتلكه من طاقةٍ روحيَّةٍ هائلة. إنها تحييه وتمنحُه أرواحاً كثيرةً في تحوُّلاتِ الصور. لكنْ لماذا التسليم بأنَّ الذهولَ صادمٌ ومنتجٌ لحقيقةٍ مُرَّة؟! لا أحد يعرف شيئاً حقيقياً عن الفتاة والعازف. فلماذا ننتهي إلى نظرةٍ تحبسُ العازفَ، فقط لتُعمِل الفتاةُ خيالَها؟ ربَّما لو أُطلقَ الماردُ من القُمقُم تفجَّر الخيالُ أيضاً. بما أنَّ كلَّ شيءٍ جائزٌ وممكن ولا شيءَ حقيقيٌّ في هذه الحكاية، رغم وجودِ الفتاةِ والعازف، لتكن ثمَّة تهويماتٌ أخرى وشطحاتٌ أكبر. إنَّ حضورَ الصورةِ الفيزيائي في لحظةِ الذهول معادلٌ لحضورِ العازف أمامَ الفتاة. كان لا بدَّ من ظهورِ العازف لتعودَ الصورة، ذلك أنَّ لا أحدَ يملكُها غيرُه، وصورةُ الشاشة تناءتْ ولا يمكن القبضُ عليها. وفي لحظةِ الذهول هذه تلتقي الصورُ والمصادفة:  الصورُ المنتشرةُ، والطاغيةُ على حياةِ الفتاة طوال تلك الأعوام، والمصادفةُ الناتئةُ، في أوَّلِ لقاءٍ متخيَّل، تلتقيان وتسكنان لحظةَ الذهول التي ينجرحُ فيها وعيُ الفتاةِ وينْدمغُ وينْثقِبُ وينْصدِم. وهنا سوف تفقدُ الصورُ جاذبيتَها ليأتيَ ما هو أكثرُ إدهاشاً ووخزاً… العازفُ بشحمِه ولحمِه ودمِه!.
هل يعني ذلك تمزيقَ الصُّورِ وإلقاءَها في أقربِ سلِّةِ مُهملات؟! أينتهي دورُها وتكفُّ عن التحريضِ والوخزِ واللَّسْع؟!. إنَّ الفتاةَ ترى العازفَ قد كبُر في لحظةِ مثولِه الحقيقيّ.. كبُر عمَّا كان عليه في الشاشةِ والصورةِ التي يحملُها. عليها أن تدرِّبَ بصرَها ووعيَها على التقاطِ صورةٍ جديدةٍ إذن، إذا ذهبنا بعيداً في لعبةِ الصورِ هذه. الصورةُ الجديدةُ كبيرةُ الحجم فضلاً عن أنَّها حقيقيةٌ وتتطلبُ جهداً كبيراً ومُضنِياً في الالتقاط وتحقيقِ سكونِها داخل وعيِ الفتاة الذي لا تزالُ تصطرعُ فيه الصورُ الأخرى. تكتشفُ الفتاةُ نتوءاً أكبرَ في الصورةِ الحقيقية وبروزاً أغورَ للجُرح. ففي الأعوام التي تقضيها وهي ترعى الصورَ وتجمِّلُها على مَهْل يكون العازفُ قد استبقَ زمنَها وعجَّلَ بتأثيثِ عمرِه وبَذْرِه بالحيوَات. ومن المحتملِ جداً أن تواصلَ الفتاةُ تكديسَ الصورِ حتى آخرِ نَفَس.. ويبقى العازفُ يُؤرجِحُ وجودَه المأزوم بين الصورِ المقطَّعةِ حتى الحدودِ المُفجِعةِ والشَّهيَّة.

زوينة آل تويّه



السبت، 19 ديسمبر 2015

أودّ التحدث إلى أبي


غناء سيلين ديون  
ترجمة زوينة آل تويّه

أودّ أن أنسى الوقت
لتنهيدة، للحظة
أن أستريح بعد العدو
وأذهب حيث يدفعني قلبي

أودّ أن أجد آثاري
أين حياتي، أين مكاني
وأحتفظ بماضيّ الذهبي
في دفء حديقتي السريّة

أودّ أن أعبر المحيط، وأجوبه محلّقةً كالنورس
وأفكّر في كل ما رأيت ذاهبة إلى المجهول
أودّ أن أنزع القمر، أودّ حتى أن أنقذ الأرض
ولكن قبل كل شيء، أودّ التحدث إلى أبي

أودّ أن أختار زورقًا
لا الأكبر ولا الأجمل
سأملؤه بالصور
وبأريج أسفاري

أودّ أن ألتقط أنفاسي وأجلس
لأبحث في تجاويف ذاكرتي  
عن أصوات أولئك الذين علّموني
أنه ما من حلم ممنوع

أودّ أن أجد الألوان واللوحات
في قلبي
تلك التصاميم النقيّة حيث أراك وأطمئن

أودّ أن أرحل معك
أودّ أن أحلم معك
نبحث عن البعيد دومًا
ونتمنى المستحيل دومًا
أودّ أن أنزع القمر
ولِمَ لا أنقذ الأرض
ولكن قبل كل شيء، أودّ التحدث إلى أبي


وداعا موطني


غناء إنغيكو ماسياس
ترجمة زوينة آل تويّه

تركتُ موطني، تركت بيتي
حياتي، حياتي الحزينة التي تنسحب بدون سبب
تركت شمسي، تركت بحري الأزرق
ذكرياتها تستيقظ بعد زمن من الوداع
الشمس، شمس بلادي المفقودة
المدينة البيضاء التي أحببت، الفتيات اللاتي عرفت
تركت صديقة، ما زلت أرى عينيها 
عينيها المبللتين بالمطر، مطر الوداع
أرى ابتسامتها قريبة جدا من وجهي
كانت تضيء أماسي قريتي
ولكن، من على حافة القارب الذي أخذني بعيدا عن المرسى
سلسلة خبطت في الماء مثل عصا
حدقت طويلا في عينيها الزرقاوين الباحثتين
وقد أغرقهما البحر في تيار من الندم 


تحت سماء باريس

غناء إيڤ مونتو
ترجمة زوينة آل تويّه

تحت سماء باريس
تحلّق أغنية
وُلدت توًّا
في قلب فتى
***
تحت سماء باريس
يمشي عشاق
يغشاهم فرح
يولد من لحن
مكتوب لهم 
****
تحت جسر بيرسي
يجلس فيلسوف
وموسيقيان وبعض المتفرجين
ثم يلتمّ الناس ألوفًا
****
وتحت سماء باريس
يغنّون حتى المساء
أغنية الشعب العاشق
مدينتَه العتيقة
****
يحدث أحيانًا
أن تكفهّر السماء
فوق نوتردام
بلى، ولكن في بنام
كل شيء يمكن ترتيبه
قليلٌ من أشعة
 سماء صيفية
وأكورديون  
يعزفه بحار
ليزهر الأمل
في سماء باريس
****
تحت سماء باريس
ينساب نهرٌ مرِح
يهدهد المتشردين والمتسولين
حتى يخلدوا للنوم
****
تحت سماء باريس
تأتي طيور الرب
من العالم كله
وتتسامر فيما بينها
****
ولسماء باريس
 سرّها الخاص
عشرون قرنًا وهي متيّمة
بجزيرة سان لويس
الجزيرة التي عندما تبتسم
تتزيّا السماء بمعطف أزرق
****
 وتمطر في باريس
 لأنها حزينة
وعندما تغار من العشاق الملايين
تبرق وترعد
****
لكن سماء باريس
لا تقسو عليهم طويلا
ولكي تغفر لهم
تسكب عليهم ألوان قوس قزح



بارتلبي النسّاخ

صدرت عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع الترجمة العربية لرواية هرمان ملفل القصيرة "بارتلبي النّسّاخ" في عام 2010، ترجمة زوينة آل تويّه